حسن الأمين

282

مستدركات أعيان الشيعة

فابحر بجنوده إلى صيدا ثم صور وكان يفترض ان يسير من هناك بجنوده إلى منطقة نابلس لينضم إلى جيش ظاهر العمر ليسانده في محاربة العصاة وإخضاعهم ، الا انه كعادته غدر بظاهر ، كما غدر سابقا بسيده القديم يوسف . وتوجه إلى دمشق منضما لجيوش الدولة العثمانية ، ومجددا بذلك ولاءه وتبعيته للباب العالي الذي ما زال ناقما ومصمما على القضاء على ظاهر العمر الزيداني المتمرد عليه والمنفرد بالسلطة على مناطق واسعة من البلاد ، فرحب بفعلة الجزار هذه وعزم على مكافاته في أول فرصة . . أرسلت الدولة العثمانية عمارة بحرية بقيادة حسن باشا لضرب المقر الرئيسي لظاهر وهي مدينة عكا ، من البحر كما تقدمت جيوشها من دمشق وتم لها الاستيلاء على المدينة بعد أن فر منها ظاهر وقتل خارج أسوارها ، وعندها استدعي الجزار ، ثقة من الدولة العثمانية انه من أتباعها وولته عكا عام 1775 م فوجدها في حالة بائسة أثر الحصار البري والبحري وقد هجرها معظم سكانها إلى المناطق المجاورة فطلب من الأهالي الفارين العودة لاستعادة أمتعتهم ومقتنياتهم . ولما تأكد من عودة معظمهم حرم عليهم مغادرتها تحت طائلة الاعدام وبذلك امتلأت ثانية بسكانها القدامى ، الا أنه بقي في حاجة ماسة إلى المال فقام بفرض الضرائب الجمركية على معظم السلع . كما أجبر وكيل القنصلية الفرنسية والتجار الفرنسيين على اقراضه الأموال واحتكر معظم المرافق التجارية . ولما وجد أن خزائنه امتلأت بالأموال شرع بإصلاح الأسوار وإتقان البنيان وذلك بتسخير أهالي القرى المجاورة للعمل ثلاثة أيام في الأسبوع بالتناوب ثم أنشأ أسطولا صغيرا . كما مكنته موارده المالية من تأليف فرقة فرسان من أبناء البوسنة وألبانيا من ( 800 ) فارس ومن مرتزقة المغاربة ألف جندي من المشاة . ثم أخذ باستقدام اللصوص والفارين من وجه العدالة جاعلا منهم حرس شرف له وبذلك أصبح لديه قوة مقاتلة فاعلة من مرتزقة البشانقة والأرناؤوط والأكراد والمغاربة . تسلم ولاية صيدا وبعد أن فرغ من ذلك وآنس من نفسه القوة العسكرية والمالية تولى أمر أبناء ظاهر العمر فقضى عليهم جميعا . وبذلك دانت له قطاعات صفد وطبريا التي كانت ما تزال تحت سيطرتهم فسر ذلك الدولة العثمانية فعينته في النصف الثاني من تشرين أول ( أكتوبر ) عام 1775 واليا على صيدا ومنحته رتبة الباشوية ! وفي شباط ( فبراير ) من عام 1776 م منح رتبة ( وزير ) وأصبحت الدولة العثمانية تخاطبه في جميع الفرامانات والمراسلات باللقب الجديد ( الوزير احمد باشا الجزار ) وزيادة في اعتراف الدولة بفضله برد سلطتها على جميع المقاطعات التي كانت تابعة للزيداني منحته ما كان يعرف ( بالمالكان ) أي حق الحكم مدى الحياة وبذا استمر الحاكم على هذه البلاد حتى وفاته عام 1804 م أي ما يزيد على 28 عاما . الا انه على الرغم من ذلك لم يغير مكان إقامته في عكا ، ولم يكن يؤم صيدا ( مع أنها كانت المركز الرسمي للايالة ) أكثر من شهرين في العام الواحد . وبعد أن دان له معظم الجليل أخذ بمهاجمة الشمال جبل عامل وتسلم بعد معركة بارون وقتل ناصيف النصار قلعة ( هونين ) وقلعة ( الشقيف ) وقلعة ( جباع ) فقتل الكثيرين وسلب الأموال وسبى النساء حتى كانت المرأة تباع بثلث قرش وبعد ذلك أخضع مدينة صور ، كما هاجم جنوده بيروت فهرب معظم سكانها وأحرقوا وقتلوا وباعوا الأسرى وأرسلوا اليه منهم الكثير فقطع رؤوس البعض وأجلس آخرين على الخازوق . . الحاكم المطلق في الشام وبعد ذلك ولى وجهه نحو منطقتي نابلس وجنين فاخضعهما . الا انه عجز عن الاستيلاء على قلعة ( سانور ) في منطقة جنين وكان يسيطر عليها يوسف الجرار على الرغم من محاصرته لها أربعة أشهر ، وعلى الرغم من تكرار مهاجمته لها بعد ذلك . وبذلك ازداد ايمان الدولة العثمانية رسوخا به لا سيما انه كان لا يتوانى عن إرسال الأموال لها باستمرار فتسلم منها براءة بتعيينه واليا على دمشق عام 1780 . وكان من مهام والي دمشق امارة الحج فهو الذي يسير بقافلة الحجيج إلى مكة ويحميها من هجمات البدو في الطريق ، وقد تولى هذه المهمة وولاية دمشق أربع مرات في حياته إذ أن الدولة العثمانية كانت تمنح الإيالة لمن يرسل إليها الأموال الأميرية في انتظام فتعزل الواحد لتولي الآخر تبعا للمبالغ المرسلة . وقد أظهر الجزار سخاء متناهيا بإرسال الهدايا والذهب إلى السلطان العثماني وحاشيته مما مكنه من الحصول على إيالة طرابلس في تلك الفترة بالإضافة إلى إيالة دمشق . وبذلك خضعت له سوريا بأسرها من أقصاها إلى أقصاها ، فانتشر عماله من اللاذقية شمالا إلى غزة جنوبا كما أتم سيطرته على الشوف والجبل اللبناني وكان على أمرائهما وشيوخهما أن يرضوه بالأموال لابقائهم في سدة الحكم ، مما اضطرهم إلى ظلم رعاياهم وإثقال كاهلهم بالضرائب ليتمكنوا من جمع ما وعدوا به الجزار الذي كان يبقى عنده أبناءهم ومديري ماليتهم أحيانا رهائن لديه في عكا حتى إذا تقاعسوا عن إرسال الأموال المطلوبة قام باعدام الرهائن ، وكان لهذه الغاية يلقي بذور الشقاق بين أمراء أفراد العائلة الواحدة الحاكمة فكم من مرة فعل ذلك بين الأمير يوسف الشهابي وخاله الأمير إسماعيل ثم بين الأمير يوسف وإخوته كما أخذ فيما بعد يحرض الأمير الفتي بشير الشهابي ( الكبير فيما بعد ) على الأمير يوسف ثم أبناء الأمير يوسف على الأمير بشير - كل ذلك تبعا للمبالغ التي يستطيع دفعها كل منهم فمن زادها له سانده وتنكر لغيره وهكذا . . وفي احدى المرات طلب من الأمير يوسف الشهابي ستمائة كيس ( وكان الكيس يحتوي 500 قرش ) وهذه مبالغ باهظة إذا ما تذكرنا قيمة النقد الشرائية في ذلك العهد ، بدليل انه عندما شح المطر في احدى السنين وحصل قحط ارتفع سعر مد القمح إلى ثلاثة قروش . . . ولما زاد الأمير بشير عما دفعه الأمير يوسف سر الجزار منه كثيرا ، وكافاه بوضع الأمير يوسف وخازنه الشيخ غندور وسعد الخوري . جنون وصواب وقسوة وكانت حاجة الجزار إلى الأموال لا تفتر ليتمكن من الاحتفاظ بجيش قوي ، إذ كان هو عماده الوحيد ، فولاء هؤلاء الجنود المرتزقة كان يتوقف على انتظام دفع رواتبهم ، ولذا عمد بالإضافة إلى ما كان يجبي من الضرائب ويفرض من المغارم ويصادر من الأموال والممتلكات إلى احتكار التجارة وكانت أولى خطواته احتكار القطن فحدد اسعاره ومنع بيعه أو شراءه من قبل أية وكالة إلا هو . . وعند ما حاول التجار الأجانب تذكيره بالاتفاقات المعقودة مع الدولة العثمانية سخر من ذلك وأفهمهم ان لا سلطان غيره فهو وحده الآمر الناهي ، في الأراضي التي يحكمها ، ثم امتد احتكاره إلى الحبوب فأجبر المزارعين على زراعة القمح ومنعهم من بيعه أو تخزينه وصدر جميعه إلى مصر والمناطق المجاورة . ولما امتد حكمه إلى ولاية دمشق فعل مثل ذلك في غلال حوزان . وأصبح جميع المحصول يباع إلى وكلائه في عكا ومنهم فقط يستطيع التجار أن يشتروا ولم يجرؤ أي كائن على الاحتيال إذ كانت سفنه وعيونه تراقب الشواطىء والموانئ بدقة لا سيما وأنه كان قد حظر على أية سفينة مغادرة